سر التربية الناجحة

من الأمور التي لا يستطيع الإنسان الاكتفاء منها هي اكتشاف طرق جديدة ووسائل حديثة في علم التربية، خصوصًا تربية الأطفال. وكأننا في كل مرة نشعر أن هذه المعلومات الجديدة هي ما تنقصنا، فنبدأ بتطبيقها إلى أن نكتشف وسيلة أخرى لنجرّبها من جديد، دون أن نشعر بالاكتفاء.

عملت الأبحاث، والتي قامت على مدى عشرات السنين، على الكشف عن مجموعات كبيرة والتي تعتبر بالدرجة الأولى مهارات يستطيع الأهل استخدامها في التربية مع الأبناء. قد لا تكون هذه المهارات متعلّقة بشكل مباشر بطريقة التعامل مع الطفل وتربيته، بل هي أساسًا للوالدين لتطوير أنفسهم ليصبح لديهم قدرات أقوى للسيطرة على أنفسهم قبل البدء في عملية التربية خصوصًا في حالات الغضب والعصبية، وضرورة السيطرة على النفس قبل التصرّف.

ولكن بالرغم من كل التطوّرات والأبحاث التي قامت ولا زالت تقوم على مواضيع تربية الأبناء، إلا أن التعبير بالمشاعر عن الحب والعاطفة يبقى المتصدّر الأول في نجاح أي علاقة بين الوالدين والأبناء. فأصعب الأمور وأكثرها تعقيدًا في رحلة التربية يصبح سهل السيطرة عليه لمجرّد أن يعبّر الوالدان عن حبّهم للطفل بالرغم من أي شيء، وبالتالي يشعر الطفل بذلك الحب والعواطف الإيجابية إلى تصبح التربية أسهل.

أما بالنسبة للتحكّم في التوتر أثناء الغضب من تصرّفات الأبناء، والسيطرة على الضغوطات فإنها تأتي بالدرجة الثانية. مما يتسبّب بالاحتفاظ بنوع من العلاقات الطيبّة والجيّدة بين الأبناء ووالديهم، والتي يشعر بها الأبناء بالدرجة الأولى ويفرّحهم شعورهم بسيطرة والديهم على مشاعرهم بالرغم من معرفتهم أن ما قاموا به مزعجًا إلى حدّ كبير. سيطرة الوالدين يجعل الروابط أقوى بين الأسرة، ومن خلالها يتعلّم الأبناء كيفية السيطرة على الأمور بالرغم من كل شيء.

لا يوجد أهل فاشلون في التربية وأهل ناجحون، ولكن كل ما في الأمر هو وجود أسلوب تربوي متّبع في الأسرة ناجح أو أسلوب فاشل لا يعمل إلا على تعقيد الأمور لتزداد سوءًا. لا بد أن هناك طرق مختلفة يستطيع الوالدان التعلّم من خلالها أساليب تربوية قوية تعمل على تعديل سلوك الطفل دون إيذائه نفسيًا وجسديًا. الجيّد في الأمر هو عدم الحاجة لبذل الكثير من الجهد، فمجرد شعور الطفل بمشاعر المحبة من والديه وسيطرتهم الكاملة على الموقف يجعله يشعر بأن تصرّفه هو المرفوض وبحاجة إلى تعديل وليس الطفل نفسه.

جميعنا نتفّق أنه كلما كانت العلاقة بين الأهل والأبناء قوية ومبنية على الحب، فإن المسيرة التربوية ستكون أسهل بكثير. ولأن الأبناء هم الأصغر، لذا علينا كأهل البدء بأنفسنا والعمل على تقويم أنفسنا قبل البدء في عملية التربية والتأكّد من مدى جاهزيتنا النفسية للبدء بتلك الرحلة لنتمكّن من الحصول على نتائج أفضل، وعلى علاقة متينة قوية مع أبنائنا، ليس لتدوم فقط أثناء فترة التربية بل على المدى البعيد أيضًا.

ومن الطرق والأساسيات التي على الأهل اتّباعها هي منح الطفل التشجيع الكامل ليتمكّن من اتخّاذ قراراته بنفسه بعد نقاش سلبياتها وإيجابياتها معه وتوضيح الأمور له. فالقرار الذي سوف يتخّذه الطفل يكون مبنيًا على مدى تفهّم الطفل لوالديه وكلامهم، فإن شعر الوالدان أن الطفل يختار القرارات الخاطئة ولا يميّز الصح من الخطأ، فمن الأفضل إشراك الطفل بنشاطات خارج المنزل تتطلّب منه الحركة والتفكير خارج حدود المنزل ليتمكّن من السيطرة على أفكاره وبالتالي يساعد نفسه على اتخاذ القرارات السليمة تدريجيًا.

كما إن مدى شعور الأبناء بالسعادة داخل المنزل ومدى نجاح تحصيلهم الدراسي ونوع العلاقة بين الأبناء والأهل كلّها إشارات تدلّ على سر التربية الناجحة. فكلما زادت مشاعر الأبناء بالسعادة، وزادت نتائجهم في التحصيل الدراسي، وكانت علاقتهم قوية مع والديهم، فهذا يدلّ على نجاح المسيرة التربوية للطفل. كما ويكون الطفل قادرًا على الاعتراف بالخطأ والتعلّم منه، وكذلك ينال رضا والديه من خلال التصرّفات التي يتعلّمها من والديه ويطبّقها بحسب قناعاته.

 يعتبر اعتماد الطفل على نفسه سر التربية الناجحة، لأنه وكما وضّحت الدراسات الحديثة فكلما شعر الطفل بقدرته على فعل الأمور فإن ثقته بنفسه تزداد. فهذا يعمل على تسهيل التربية واعتماد الطفل على نفسه يمنحه الكثير من الحبّ والاحترام لذاته وأفكاره، وهذا يعزّز ثقته بنفسه ويصبح قادرًا على اتخاذ قرارات بنفسه لأن العوامل التي وفّرها له والداه كلها تعمل على تعزيز ذلك.

ومن الضروري جدًا الأخذ بعين الاعتبار أن العلاقة بين الوالدين كأب وأم لها الدور الأكبر في نجاح التربية. لذلك من الضروري الحفاظ على العلاقات داخل المنزل، وإن كان هناك أي اختلافات في الرأي بين الوالدين فمن الأفضل العمل على حلّ الأمور على انفراد دون شعور الأبناء بذلك حتى لا يتسبّب لهم ذلك بالتوتر والقلق والخوف مما يعيق المسيرة التربوية.

اقرأ أيضاً: أنماط التربية: كيف تختار الأسلوب الصحيح منذ الأيام الأولى

What do you think?

Written by رولا

دوري في الحياة أم وأب
أم لولدين أعمارهم 19 و12 سنوات. دوري في الحياة أم وأب لأبنائي بعد أن توفي زوجي منذ 12 سنة. أحب القراءة والطبخ وعمل الحلويات. أتطلع لتربية عملية علمية سليمة لأبنائي.

كيف نُربّي طفلًا اجتماعيًا واثقًا من نفسه؟

كيف نُربّي طفلًا اجتماعيًا واثقًا من نفسه؟

علامات صدمة الطفولة حسب المراحل العمرية

علامات صدمة الطفولة حسب المراحل العمرية