من منّا كأم وأب لم يتحدّث إلى طفله وهو في رحم أمّه دون أن نعلم لماذا نفعل ذلك! يبدأ الحوار بكلمات لطيفة نقولها للطفل بينما نقترب من بطن أمه ونخبره بأننا بانتظاره وأننا سعداء لأنه سيكون جزءًا من عائلتنا الصغيرة. نتصرّف بكل عفوية كل يوم منتظرين قدوم ذلك الطفل، ولكننا في الحقيقة نشعر وكأننا نعبّر عن ما بداخلنا دون إدراك مّنا أن هذا أمر يفهمه الطفل، ففي الواقع يشعر الطفل بكلماتنا لمجرد ملامستنا بطن أمه وغالبًا ما يبدأ بتحريك يديه وقدميه فرحًا بسماع صوتنا.
ولا نتوقف عند ذلك بل نفعل نفس الأمر عند ولادة الطفل الجديد بينما نحضنه ونتحدّث إليه ونقول له إننا انتظرناه لأشهر طويلة بكل حماس، ونخبره كم نحن سعداء بوجوده معنا. عندما يسمع الطفل ذلك الصوت الدافئ الذي يشعر بأنه يعرفه مسبقًا، نجد أنه يعبّر عن ذلك بابتسامته الصغيرة وحركته اللطيفة وكأنه يعبّر عن فرحته لوجوده معنا في البيت ومع أسرته بكل حبّ.
هذا التفاعل مع الطفل ما قبل الولادة وما بعدها يخلق الجو المناسب له للدخول إلى عالمه الخاص الذي فيه لا يمكنه التعبير عن ردود فعله بالكلام بل بالحركات التعبيرية التي بها يقول: أنا سعيد بينكم كذلك. بعد ذلك يبدأ عند الطفل حوار نمو المشاعر لمجرّد أن هذا الحوار جعل الوالدين على معرفة أكثر لحاجات الطفل، وبالتالي سهّل عليهم التعامل معه.
فمثلاً عندما نقدّم الحليب للطفل ونحن نتحدّث إليه ونقول: هل تحبّ هذا الطعم؟ هل هو دافئ بما يكفي؟ نجد أن الطفل قد بدأ بإظهار ملامح الرضا مبتسمًا إن كان راضيًا عن الأمر، أو الانزعاج والبكاء إن كان الحليب غير مناسب. هذه الأمور لا يفعلها الطفل لمجرّد أنه يريد ذلك، بل لأن هذا هو ما يشعر به في الحقيقة ليكون الحوار والحديث مع الطفل هو سبب معرفة مشاعر الطفل تجاه ما قُدّم له.
بطريقة أو بأخرى نرى أن ردود فعل الطفل تبدأ عندما ننتهي من الحديث معه، فنتفاجأ بأنه يفهم ما قلناه. فهو في الحقيقة يشعر بنا وبكلامنا، ويتعلم لاحقًا أن التعبير عن الرأي يكون من خلال الحوار ممّا يجعله يحترم ذلك ويلتزم به إن استمرينا بنفس الطريقة معه على مدى السنين.
ولأن للحوار أهميته الخاصة للطفل خصوصًا إن بدأ في عمر صغير، فلا بد لنا أن نقول أن الطفل يبدأ باكتساب مهارات الكلام وآداب الحديث من خلال الطريقة التي اعتاد عليها في الحوار مع والديه. فالحوار المبكّر مع الطفل يُكسبه مهارة الاستقلال والتفكير السليم، ويُبعده عن الاتكال على الآخرين في أفكارهم وكلامهم، ويكون الطفل عندها قادرًا على الاعتماد على نفسه عندما يبدأ بالحديث. هذا يساهم بدور كبير في بناء شخصيته خصوصًا إن هذا الكلام هو كلامه وليس منقولًا من أحد، فهو طفل قد اعتاد على الحوار والحديث مع غيره.
من أهم الأمور الإيجابية والتي تعود على الطفل بسبب الحوار والحديث المبكر معه هو بناء شخصيته وتعزيز ثقته بنفسه واحترام الآخرين وانتظار إنهاء كلامهم قبل الإجابة. بالإضافة إلى فصاحة اللسان، فالطفل الذي يسمع كلمات أكثر هو الطفل الذي يبدأ بالحديث مبكرًا، ومع الوقت يصبح قادرًا على التكلّم بفصاحة. على الأهل استخدام كلمات كاملة وليس مختصرات لأنه طفل ظانين أنه من الأسهل استخدام الاختصار معه، إلا أن الكلمات كاملة كما هي ترسخ في عقله وسيستخدمها لاحقًا كما هي.
من الأمور المهمة التي تنتج من الحوار المبكّر هو التعبير عن المشاعر، فالطفل الذي يستمع للحوار أو الكلام يتمكّن من تمييز مشاعر غيره، وملاحظة تعابير وجوههم فيكون قادرًا على استخدام تلك التعابير عندما يتكلّم. مثلاً يبتسم عندما يكون سعيدًا، وعندما يكون منزعجًا تجد أن ملامحه توضّح ذلك. لذلك على الأهل الحرص على التعبير الصحيح عند الحديث مع الطفل، ليتعلّم الأمر الصحيح ويستخدمه بالطريقة المناسبة.
الاستماع الجيد هو مهارة لا يعلمها إلا الطفل الذي اعتاد على الحوار المبكّر، فهو يُبقي عيناه على المتحدّث إليه حتى ينتهي من الكلام. يبدأ الطفل بالتعبير عن مشاعره بالحركة والأصوات، وتدريجيًا تنمو هذه العادة عند الطفل فتصبح مهارة من المهارات المكتسبة لديه، وتكون مفتاح النجاح في تواصله مع الآخرين. لذلك من الضروري عندما يبدأ الطفل بالحديث، فعلى الأهل الاستماع له حتى النهاية ومن ثم التحدّث معه فمن خلال هذا يتعلّم آداب الاستماع ويطبّقها في حواراته مع الآخرين.
تعتبر فترة الولادة حتى عمر الثلاث سنوات هي من أهم المراحل في حياة الطفل، فمن خلالها يتعلّم العديد من المهارات. لذلك من الضروري التكلّم إلى الطفل في هذه المرحلة، والاهتمام بردود فعله، فهذه هي الطريقة الوحيدة التي من خلالها يردّ الطفل على كلامنا. قد لا يفهم الطفل كلامنا، ولكن تعابير وجهنا تكون كافية بالنسبة له. لذلك من الضروري تجنّب التحدّث إلى الطفل ونحن في حالة مزاجية سيئة، ويجب أن لا نشكو مشاعرنا من خلافات معينة لأن الطفل يريد أن يرى الابتسامة أثناء الكلام ليتعلّم منها.
اقرأ أيضاً: كيف أعلّم طفلي الحوار في 9 نقاط

