طلعة آخر يوم بالامتحانات
يونيو 12, 2017
امدح الطفل ولكن بالعقل
يونيو 16, 2017

إزايك يا عمّو جمال

“عمّو جمال” هذا ما يناديني به عبده، حارس العمارة المجاورة لمنزلي، في كل مرة نتلاقى فيها أسمع منه تحية تؤكد لي أني لم أعد صغيراً، فهذا الشاب “عبده” وهو من البلد الذي أعشق، مصر، والذي لايقل عمره عن الخامسة والعشرين يناديني بـ “عمّو”. تحيته هذه أعادتني للوراء لأكثر من خمسة وعشرين عاماً حين كنت في مثل عمره وأسكن في الإسكندرية.
حينها، كنت أسكن في عمارة حارسها رجل ٌ كبيرٌ في السن واسمه أيضاً “عبده”. وفي كل مرّة أخرج فيها من العمارة أجده أمامي ويطيب لي أن أحييه بـسؤال “إزايك يا عمّو عبده”. هذا كان قبل أكثر من 25 عاماً، أما الآن فأجد نفسي تقريباً كل يوم أمام عبده أصغر سناً يناديني بـ “عمّو جمال”.
قبل أقل من شهرين شاركت في مراسم دفن صديق لي مات على أثر جلطة قلبية حادة. صديقي هذا لم يتجاوز الخامسة والأربعين من عمره، وقد حزنت لما حدث له. تمت مراسيم الجنازة في كنيسة القرية وبعدها انتقلنا للمقبرة التي تحوي رفات آلاف من الأقرباء والأصدقاء الذين عرفت الكثير منهم وشاركت في تشييع عدد كبير منهم. المسافة بين الكنيسة والمقبرة ليست طويلة ويمكنك قطعها في أقل من ربع ساعة، وقد اعتدت أن أسيرها على الأقدام، ذهاباً وإياباً. لكن هذه المرة وأثناء عودتي من المقبرة شعرت بأمر مختلف، لقد شعرت بالحياة. كان الجميع يفكّر بالموت أما أنا فقد كنت أفكّر بالحياة.
كنت حزيناً لوفاة صديقي هذا، لكني كنت سعيداً لأني حي وأستطيع المشي، صديقي هذا أودعناه التراب وبقي هناك في المقبرة أما أنا فحي يرزق، أردت أن أشارك هذه اللحظة مع عائلتي فقمت على الفور بالاتصال بزوجتي وأخبرتها أني حي، لست مثل المئات الراقدين في تلك المقبرة والذين لا يستطيعون مغادرتها، لقد كنت في المقبرة ولكني لم أمكث فيها وأنا الآن أسير على قدمي تاركاً إياها خلفي، وأنا أستمتع بالحياة. هنيئاً لي، يا لغبطتي وسعادتي، كم أنا محظوظ لهذه الحقيقة: أنا حي.
بالعودة إلى عبده، أعلم أن عبده الكبير في السن والذي كنت أعرفه قبل سنين عديده لم يعد موجوداً، وأعلم أن عبده الصغير بالسن يذكّرني بأني في يوم من الأيام لن أكون موجوداً، ولكني رغم ذلك “أنا حي” وأتنفس وأتكلّم وأحب وآكل وألعب ولي عائلة رائعة وأصدقاء، فلماذا أضيع كل هذا وأقلق بشأن ذلك اليوم الذي سأغادر فيه هذه الحياة؟

Like
Like Love Haha Wow Sad Angry
9
شارك مع أصدقائك
جمال
جمال
أب في الخمسين من عمره يحاول أن يعيش كأب، وزوج يحاول أن يكون أفضل. له ابن واحد قريباً سيبدأ المراهقة. يتحدّث بعفوية ويحاول أن يكتب أيضاً بعفوية، ولكنّه في كلامه وكلماته يحاول أن يصل القلوب ويتمنّى أن ينجح في ذلك.

Comments are closed.